أحـلام البحر
أكانت للبحر هذه الزرقة؟ هكذا بدأت القصة..
بوقُ السفينة يعلن نداءه الأخير، والريحُ مع إشراقةِ الشمس الصافية وديعة، تُحرّك بنسيمها أرديةَ المسافرين
المنظر أمامي يفوق معنى الوجد؛ عائلاتٌ تصعد إلى السفينة تحمل حقائب عدة، وأبٌ يصرخ مستعجلًا رعيته، وفي مشهدٍ آخر بجانبي أختٌ تنهمر سيلُ مدامعها وداعًا لشقيقها. أما بعيدًا هناك، فتقف عجوزٌ قد انحنى قوامها، تعدو بخطواتٍ ثقيلةٍ مطأطئة، في يدها حقيبةٌ بنية قد بهت لونها، وعصًا توازي نصف قوامها طولًا. أتساءل عن زمنٍ خلّفته وراءها، وعن أناسٍ صاحبوها، والآن على ميناءِ الوداع تسير مع سراب ذكراهم، تاركةً جزءًا آخر منها، لا تحمل سوى بقايا أردية الزمن عليها، وفي داخل حقيبتها
الميناءُ مليء ببقايا مطرِ البارحة، ورائحةُ السمك من البائعة في الخلف قد قلبت معدتي. أخذتني اللحظة في شتّى أحداثها، حتى نسيتُ أني مرتحلٌ معهم، بل أوشكت السفينة على رفع ممرّ الصعود
لا توجد لديّ سوى حقيبةِ ظهرٍ اجتذبتُها من جانبي، وسارعتُ خُطاي متجهًا نحو الممر. الطريق أمامي فارغ، بل كنتُ آخرَ من صعد
ناولني الموظف بعد ذلك بطاقةَ الدخول إلى حجرتي، فصعدتُ إليها وأغلقت الباب بعد أن تفقدتُ أرجاءها ودورة المياه. وضعتُ حقيبتي على الأريكة، وتمددتُ حتى يصدح بوقُ السفينة مرةً أخرى معلنًا بدء الإبحار
أطبقتُ جفوني كرهًا إثر إرهاقٍ وقلةِ راحة، إلى أن سمعتُ طرقًا على الباب
فزعتُ ناهضًا؛ لم أدرك أني قد غفوت. فتحتُ الباب، فإذا بشابٍ له وجهٌ سمح، تعلوه نظرةٌ وادعة، متوسط الطول، ذو جسدٍ رياضي، وشعرٍ أسود مهندم. ابتسم، فإذا بإبتسامتة ودودة
قال بلباقةٍ واتزان:
– مرحبًا، أنا سامي من الغرفة المجاورة
– حللتَ أهلًا، تشرّفتُ بمعرفتك سامي، أنا آدم
– رأيتك يا آدم عندما كنا في الميناء صباحًا، كنتَ تنظر شارد الذهن في كل مكان، وكنتُ أنظر معك لما تنظر. فإذا بأناس يسيرون بعادية، يحملون حقائب ويودّعون أحبة، فتساءلت: ماذا ترى حتى تنتثر أفكارك كجزيئات الهواء في كل مطلعٍ أمامك؟ ولم ألمح معك حقيبة، فكنتُ على أمل أن تكون معنا في الرحلة. وعندما صعد المسافرون رأيتك ما زلت على ذات المقعد، أصابني إحباط، حتى لمحتك تفتح باب حجرتك بجانبي، فاعتراني سرورٌ جمّ. انتظرتُ حتى تستقرّ وتستريح لأعرّفك بنفسي، وأعرفك إن سمحت لي
– يا لسروري البالغ سامي. لأخبرك بما كنت أتأمله … كان حقًا مرأىً مثيرًا، على الأقل بالنسبة لي.. لحظاتُ الوداع، تلك اللحظات الشجية، والنهايات، وأوان الرحيل، وحضن الوداع، ودمعةُ رجاء اللقاء، تملؤني أسى. أيجب أن نودّع؟ أن نُبكي الأحبة ونبكي بحرقة؟ نعم، أوقن بحتمية الوداع يومًا ما، ولكن لماذا لا نكتفي بذكرى نُكاتٍ ضحكناها، ومواقف عشناها، وأوقاتٍ قضيناها في خضمّ المرح والسرور؟ نكتفي بها، وندعها – عوضًا من ذكرى الوداع – تمرح وحدها في الذاكرة؟
– آدم، يبدو أننا سنخوض حواراتٍ كثيرة، الجو غائم في الخارج، ما رأيك بجولة ونكمل حديثنا من هناك؟
خرجنا إلى السطح، ثم توجهنا نحو مؤخرة السفينة. ولوهلة، نسيت أني بصحبة سامي. وصلتُ إلى أطرافها وتوقفت، كما توقف حينها كل شيء. خرست أفكاري، وشعرتُ بكل عصبٍ داخلي يتمدد ويسكن شعرتُ ببصري ينعم، وبرؤيتي تتحرر؛ هناك بعيدًا، غادرت وتمددت
أزرقٌ ممدود بلا حدود، عميقٌ مجهول القاع، أمواجٌ تتصادم بلطف، وريحٌ تتخللها بنسائمها، والغيم في الأعالي قد تَكوّم، واتخذ من فسحة السماء مستراحًا لرحلتة
وقفتُ مشدوهًا أتأمل! أهذا هو البحر، أحقًا هذه زرقته، وهذا أمده الممتد، أهذا إذًا من هويتُه قبل لقائه ومن اقتبستُ من عمقه شقفةً لداخلي؟
قطع ذهول أفكاري صوتُ سامي:
– أراك الآن مع البحر وكأن لقاءكم قد أضناه البعد، وها قد قرّ الفؤاد بلمّ شملكم. أرى الشوق يغمركما، وكأن تعارفًا بينكما قد حدث سلفًا، وكأن وقفتك هذه قد ألفها البحر مرارًا
– إنه بالفعل لقاؤنا الأول يا سامي. لطالما تصورته، حلمته، وتخيلته، قرأتُ له، ومرارًا سمعتُ عنه… لكنني الآن، حيث أقف قباله، تلاشت كل معرفةٍ سابقة. لا أظن أن قولًا سيجزل وصفه، ولا توصيفًا سيبلغه، ولا صورةً ستلتقط حقيقته. أوقن في هذه اللحظة أني ما كنتُ لأراه حقًا، لو أني لم أقف أمامه كما الآن
لم أكن أنظر إلى سامي، وأوقن أنه كذلك؛ موجهين أنظارنا نحو البحر، فمن يتحدث أمامه يُسحر بصره
قال سامي بعد لحظة صمت:
– منذ صغري أرتحل فيه ذهابًا وإيابًا، لم تخلُ أسفاري من زرقته، ولا من رقص أمواجه مع السفن. وأحيانًا، لم تكن ترقص، بل تحملنا بغضب فوق أعاليها، ثم لا تلبث أن تهدأ هدوءًا لا يليق بعمقها. ولم أطأ يومًا سطح سفينة إلا وأنا في غمرة ولهفة للقائه من جديد… فمن ذا الذي يلومك يا آدم؟
– حيثما أقف وأنظر وأوجّه فكرةً وخاطرة؛ أشعر به يشدّ وثاقه على أشجاني وألحان عواطفي؛ فيّ انهيارٌ من الداخل، ليس عاصفًا، بل مهتاجٌ أَنِس، وجد القِبلة
– أتسمع صوت تصادم الأمواج على السفينة يا آدم؟ طالما كرّست مسامعي لها؛ أهي تداعب الخشب؟ أم تحاول إقصاءه عن أي موضعٍ يطؤه؟ أهي تسعد بإبحاره في أحضانها، أم يملؤها الكدر لتعكيره صفو ترنّمها؟
– ربما تريد لفظه وإقصاءه، لكنها مستسلمة، فتبدو وكأنها تداعبه…نقيضٌ غريب؛ لا تحبه وتدّعي مداعبته، تريد إقصاءه ولا تشتهي إبتلاعه
وأصبحنا نتجاذب أطراف الحديث بخفةٍ بالغة؛ لا أتحدث لأسمع ردّه، لكنه يفاجئني ببلاغة ترجمة فكره، نظرتُ إليه بنظرةً ودّت أن تتفرّسه لوهلة، من هو سامي حقًا؟ كم تلهّفتُ لمعرفة شخصه
شارف الوقت على الظهيرة، وريحٌ تميل للبرودة تداعبنا، تتخللها أشعة الشمس فتدفئها وتدفئنا معها. عرضتُ عليه كأسًا من مشروب، وسرنا يرافق وقع خطواتنا الصمت؛ صمتٌ بلا تكلّفٍ لافتعال حديث، صمتٌ لا ينتظر أن يُقطع، ولا يترقّب من يقتله، صمتٌ يعرف من هو في ساحته
لا أعرف سامي، ولكنني حيث أسير معه الآن أشعر كمن ينظر إلى مرآة، لا تعكس صورتة بل فكرهُ وداخله. وحيث أنظر إلى خطواته وأسمع وقعها، أشعر به كظلٍ يسير بجانبي، سيتلاشى حتمًا، لكن ما دام يرافقني الآن، فهو بمعنى خفّة الظل وألفته
وها نحن ذا أمام آلة القهوة؛ خياراتٌ لا متناهية
في الحقيقة أنا لا أفضّل القهوة، بل لا أتكلف لها في كثيرٍ من الأوقات، ولكن حين تكون على شرف حديثٍ أودّه، أحتسيها وكأنها شربة ماءٍ عذب
قلتُ وأنا أجول بنظري محتارًا:
– حسنًا يا سامي، أمامنا عدة خيارات؛ هنا قهوة سوداء ساده، وبالحليب، ويبدو أنها تتفرّع لنكهات: هذه بندق، وتلك كراميل، وهناك فانيليا، وأيضًا…
– المعذرة يا آدم، لا أحتسي القهوة. تبدو حقًا مغريةً بتنوع نكهاتها، لكنني لست ممن يستسيغ مذاقها
توقفتُ عن قراءة الخيارات، وأنا أقهقه ضاحكًا
– ماذا.. أأبلغ هذه الغرابة لتهزأ ضاحكًا يا آدم؟
– لا، بل أعجب؛ إذ كُنتَ أشجع مني في المصارحة. كذلك أنا أيضًا… عرضتُ عليك القهوة ابتغاء الحديث، وتضحيةً لأجل صحبتك
– لا يُقاس الحديث بكأسٍ في حواه سائل، بل بمحاورٍ خلفه فكرٌ نابغ. ما دام الأمر كذلك، فلنبتع إذًا مشروبًا خفيفًا
– تغلبني بالحديث يا سامي… انظر هنا عصير ليمونٍ بالنعناع، ما رأيك؟
– يا للروعة… موافق
عدنا إلى السطح ثانية، وفي يد كلٍّ منا كأس عصيره. وعلى جانب السفينة طاولاتٌ وكراسٍ، يبدو أنها لمقهى صغير؛ توجهنا نحوها واستأذنا في الجلوس
أمواج البحر على يسارنا تتلاطم بوتيرةٍ هادئة، ومن حولنا أطفالٌ يركضون وأمٌ تضحك، وفي الجانب الآخر إمرأتان يبلغن من العمر أربعين عامًا ربما؛ يتحدثن بصوتٍ خفيضٍ دافئ، وحدنا أنا وسامي الصامتين هنا، تبلغ صحبتنا للرائي من الغرابة كل مبلغ؛ صامتان، ومع ذلك تتجلّى بيننا ألفةٌ بالغة. مضت نحو ربع ساعة، أنهينا فيها كؤوسنا في صمتٍ مطبق؛ لم نختره، بل جاء ليخيّم بيننا بوداعة، كمن يعلم أن للعقول أن تتجاذب خيوط السكون في عزّ الصمت
كسر سامي مجاديف الصمت الساكنة في داخلي قائلًا:
– ماذا عن الوداع؟
حيث يأخذ الحوار منحنىً متفردًا، وتتجلى الأحداث صخباً وضجيجاً ممتعاً
إلى الجزء الآخر هناك
نلقاكم بإذن الله.
بقلم: هند منصور.


ماشاء الله تبارك الله وكأني كنت معهم من الوصف وتناغم الأحداث .
وعن القهوة :
“حين تكون على شرف حديثٍ أودّه، أحتسيها وكأنها شربة ماءٍ عذب”
جداً صحيحة وأعجبتني لدرجة ودي استخدمها بأحد الصور عندي
كنت بقرا البدايه بس واحفظه واكمله بعدين، ما دريت الا وانا بنهايته، وصفك ما كان عادي تبارك الرحمن، أتطلّع للجزء الثاني بكلّ حماس