أحـلام البحر ٤
وأشعر أن السفينة في قلبي والبحر والغيث، لا أنا في قلبهم
حيثُ توقف الحِوار عند كلمات آدم العذبه؛ تكمل العجوز ملقيةً أحمال عُمرِها على أسماعه
..
– إنّ لي تسعة أبناء، وضعتهم تحت جناح رحمتي وعطفي، ومددت لهم كفّ العطاء منهمرًا لا ينضب، وأغدقت عليهم من الجهد والوقت، وكل العمرِ كلّه؛ صباه وشبابه وشيبته. ولم أنتظر مقابلًا لواجبٍ أدّيته قطّ، ولكن عزّ عليّ حين هزل قوامي، وظهر عجزي، وقلّت حيلتي، وزادت حاجتي، ولم أجد منهم أحدًا
وكان لي زوجٌ ما عرفت معنى الحبّ والعطف والمودّة إلا به، احتضن صباي وصباه معًا. تزوّجنا ونحن بروح الأطفال نحيا، فما وهنت هذه الروح إلا حين رحيله… وتساقط العمر منّي في سنين عجافٍ بدونه، نسيت فيها معنى النفس
لم أتعلّم حرفًا، ولم أكتسب علمًا، وظلمت نفسي حتى خُيّل إليّ أنّي لست بشرًا، بل أداة تعمل لتؤدي حقًّا للغير
إلا أنّي نهضت قبل أسبوع، وقد جثمت عليّ ظلال الوحدة، وتكدّست دوراتُ الندم عليّ غمًا وحزَنًا، وجثم حنينٌ لا يرحم حتى أضناني، وخرّ ما تبقّى من قوامي، وضاق صدري حتى ظننته انطبق كصفحةِ غلافٍ على كتاب
فألهمني الرحمن بأحلام الشباب المنسيّة، اهتديتُ إلى فتاةٍ ترعاني من حينٍ لآخر، تقطن بجوار منزلي. رتّبت لي هذه الرحلة، فدفعت فيها ما تبقّى من مال العمر كلّه، ونثرت ما في خزينتي بلا اكتراث، ووضعته في يدها الفتيّة، وحزمت ثيابي في حقيبتي المهترئة
ثم أوصلتني إلى الميناء، هداها الله إلى طريق الهدى والجنان. فصعدتُ وأنا أشعر أنّ الزمان ليس زماني، والمكان يلفظني، ولكنّي كرهًا عنه دخلت. فما انفككت أستشعر النظرات تجول حولي، وكأنّي من غابر الزمان آتيه، وكأني من القرون الأولى أتيتُ معاصرة. فأصبحت أضرب بنظراتهم عرض الحائط، وأسير بعصاي، أتوكّأ عليها كرفيقةٍ لم يقوّم سيري أحدٌ سواها
– وكيف وجدتِ رحلةَ البحر هذه يا أمي؟
– أجدها رحلةً رائعة للعودة لا للذهاب… عودةً للنفس الكهلة، لا عودةً لأهدافٍ تُدرس، ولا لأحلامٍ تُرتّب، ولا لرغباتٍ تُصنّف. لم تعد هذه العودة متاحة لي. بل هي عودةٌ لروحٍ لم تعرف معنى الروح، ولنفسٍ لم تعرف معنى النفس، ولجسدٍ لم يعرف معنى الجسد. فألتمس عجزي، وأُسلّم لانتهاء حياتي
إنها رحلةٌ رائعة لمعرفة شكل النهاية، والتأمّل في برواز الحياة. فهناك تضجّ الأرجاء حياة، وهنا في الداخل موتٌ بطيء ساكن. نعم، رحلةٌ جميلة للنهاية، ولو أُعيدت حياتي وخُيّرت في شكل النهاية، لاخترتُها آخر رحلاتي
صمتت… وصمتّ رهبةً وتقديرًا لألمٍ غائرٍ أمامي، فقد ازداد تحشرج صوتها، وضاقت أنفاسها، حتى أصبحت تأخذ بين كل كلمةٍ وأخرى نفسًا ثقيلًا وتُكمل
فأردفتُ، في قولٍ حيّ مبتهج، لأبثّ فيها شيئًا من الأمل:
– وما أدراكِ يا أمي، لعلّها لن تكون آخر رحلة، وربما يكتب الله لكِ العمر المديد للإبحار ثانية، ولخوض أحلام الشباب كلّها الآن. فلا ضرّ في العمر إن كانت الروح ما زالت فتيّة
– ما أنقى روحك يا ولدي… كفاك، كفاك. فقد أُكّلتُ وشٌرّبت أملًا حتى خرج من جوانبي متفجّرًا. كلّ واحدٍ من أبنائي التسعة قطع لي وعدًا، أطعموني أملًا بالعوض، حتى أفنيت عمري ممدّدةً على وسادة الأحلام المنتظرة. فتعفّنت أنا ووسادة أحلامي، وخرج الأمل منّي ناظرًا يهزأ من بياض رأسي، وترهّل جسدي، وتجاعيد وجهي، ووهن عظمي، وانطفاء رغبتي، وتلاشي قوتي
غادرني أبنائي واحدًا تلو الآخر، ومات أحبّهم إلى قلبي، فكبرت سنونًا على سنوني، وجثم الحزن عليّ حتى أماتني حيّة
وأمّا من تبقّوا، فقد كانت الحياة أشدّ إغراءً من الالتفات لعجوزٍ ما بقيَ لها من الحياة بقيّة
لم أدعُهم يومًا خشية أن أُثقل عليهم، وبخلوا عليّ بمكالمة واحدة. فهذا هاتفي، أتفقّد بطاريته بفكّها وتركيبها كل يوم، لأتأكّد أنّ لا خلل فيه… فأشكّ من قطيعتهم أنّ العيب فيه
ولكن لا بأس… إنّي راضيةٌ راضيةْ. فما أجمل أن تؤدّي واجبك كما يجب للآخرين. فأنا بما أدّيته تجاههم يجعلني الآن ساكنة، وهذا هو لبّ سلواي
هممتُ أن أجيبها وأُسهب، لأنقل عن كل معنى في هذه العجوز العظيمة، ولكن ما إن بدأت الحديث حتى قاطعتني قائلة:
– أعتذر يا ولدي، فلست أستطيع الجلوس طويلًا، وقد حان موعد راحتي… ولن أقول نومي، بل قيلولتي. سعدت بلقائك، وشكرًا لوقتك، فكم وجدت فيك عذب الكلم، وحياة القول، وبهجة المجلس
نهضتْ بصعوبة، مددتُ لها يدي لأساعدها، فأبعدتها بصمت، وقوّمت عصاها، وبدأت تسير عائدةً من حيث أتت
قلت لها:
– العفو يا أمي… هل لي برقم غرفتك أو هاتفك؟ فكم سأسعد بتكرار مجلسنا هذا
إستمرت تسير، وكأنّي أحدّث أصمًّا، ربما لم تسمعني، لا بأس
شعرت بالشمس ترسل حرارةً يتصبّب منها عرقي. نظرت إلى ساعة معصمي؛ إنها الحادية عشرة والنصف صباحًا.كيف مضى كل هذا الوقت؟
توجّهت إلى حجرتي، واستلقيت متفكرًا مُجهد، كأنني كنت أخوض معركةً لا حوارًا. ما زالت النافذة مشرّعة، والسكون هو ذاته سكون الصباح، إلا أنه ازداد؛ كأن الشمس قد ألجمت كل صوتٍ بحرارتها
مضت ساعتان وأنا أتقلب، مستغرقًا في التفكير في ذلك الحوار؛ في كل إيماءةٍ فيه، وكل نبرة. هاتفت أختي، وأجبت على رسائل هاتفي، محاولًا أن أبدد ما علق في ذهني
أقبلت الظهيرة، وبدأ النيام في القيام، وتبدد الصمت وخبا السكون. أخذت الأصوات في الممر تعلو، والناس تصحو. في الخارج قد تكوّم الغيم وتلبّد، وتغير لونه، كأن المغرب قد حطّ رحاله مبكرًا. واشتد عصف الريح، وأخذت الأمواج تلطم السفينة بعنف
نهضت واقفًا، سعيدًا مبتهجًا، وقد أخذتني الحماسة واعتراني السرور. إنه حلم! نعم حلم… إن أمانيّ أمامي تتحقق!
مالبثت حتى تسارعت حبات المطر بالهطول، ودوى الرعد، واشتدت السفينة تأرجحًا، وكطفلٍ سمع صوت عربة المثلجات، التقطت معطفي ومظلتي وعدوت مسرعًا، كأنني أخشى أن يتلاشى كل ذلك في لحظات
خرجت، فإذا بالمطر قد اشتد، والرعد قد أصبح أعنف، والريح أعصف. ألقيت مظلتي، وارتديت معطفي، وانتصفت سطح السفينةِ واقفًا، بخفّةٍ تحملني السعادة على كفيها. أصرخ وكأن لا أحد سواي في الأرجاء، أنظر إلى السماء، وأفتح فمي لأرتوي من هذا الغيث
ثم عدوت حتى حاذيت جانب السفينة وقوفًا، تمسكت جيدًا ونظرت إلى الأسفل. تتساقط قطرات المطر على البحر كأنها لآلئ على حريرٍ ممتد، تلبستني رغبةٌ مجنونة بالقفز حالًا؛ ولولا خوفي ألا يلتقطني أحد، لقفزت وأنا أصرخ بملء أنفاسي وحماسي
توجهت بعد ذلك إلى مقدمة السفينة؛ حيث قد دبّت الحياة. أزواج، وأطفال، وأمهات، وفتيات… جمعٌ متآلف، ومظلاتٌ بألوان، ومباسمٌ تملأ الأوجان، وسرورٌ يُملأ منه نظر العيّان. جلست على مقعدٍ عند الطرف، ألتقط أنفاسي، وأنزع حذائي البالي
بدأ المطر يتوقف رويدًا رويدًا، حتى انقطع تمامًا. وانقشع الغيم، وعادت السماء زرقاء، وسطعت الشمس صافية آتيةً تجفف الأسطح والأردية. وما زال الناس في بهجتهم، والأطفال قد ألقوا مظلاتهم، وأطلقوا العنان لفرحهم وحبورهم
آه، لو تعود طفولتي… فأعيشها بخفةٍ كخفتهم، تكاد تكون لهم أجنحةً يحلقون بها
في خضم هذا المشهد، سمعت معدتي تعزف لحن الجوع. الساعة قد تجاوزت الثالثة مساءً، وبدأ الخمول يتسلل إلى أعضائي. حملت نفسي و اتجهت وسط هذا الضجيج إلى صالة الطعام
ما إن دخلت، وأنا أسير ببطءٍ مبتهج، حتى اصطدمت فتاةٌ صغيرة بساقي وهي تبكي
قلت ممازحًا، في انفعالٍ لطيف:
– ساقي، ساقي! من ذا الذي كاد يخلعها؟
انخفضت حتى وازيتها طولًا وأردفتُ مبتسمًا:
– أوه، إنها فتاة جميلة، لا بد أنك تأكلين جيدًا، ظننتك رجلًا عملاقًا!
أحادثها وأنا أبتسم وأمسح دموعها، حتى كفّت عن البكاء، بينما كنّا كذلك وهيَ تنظر إليّ باستغراب، وقد جمدت ملامحها. أقبلت امرأة من آخر الممر تنادي:
– ورد… ورد!
التفتت الطفلة، وأفلتت كتفيها من يدي، وركضت نحوها. راقبت المشهد حتى وصلت إليها… فإذا بي أُذهل!
إنها هيَ، تلك التي اصطدمتُ بها مساء الأمس. لم أرَ وجهها حينها، ولكن شعرها البني بقيَ عالقًا في ذاكرتي
اقتربت منها وقلت:
– يبدو أن ابنتك انتقمت لكِ. ويصدف أنها تحمل نفس إسم أختي أيضًا، ولديهما ذات لون الشعر
– عفوًا؟
– اصطدمتُ بكِ مساء الأمس عند احتفال مقدمة السفينة ولم يتسنَّ لي الاعتذار. فالازدحام لفظني خارجه، وظننت أيضًا أنكِ لم تشعري بذلك. فإذا بإبنتك تصطدم بي قبل قليل عند المدخل
قالت بابتسامة خفيفة:
– إذًا هو أنت، تلفّتُ تلك الليلة لأرى من يحمل حديدًا في كتفه… ظننت أن هناك من يريد الثأر مني!
– المعذرة حقًا، كنت منزعجًا حدّ الأذى من ذلك الضجيج، فخرجت مسرعًا
– لا عليك، مضى.. وهذه ورد ليست ابنتي، لكنها قطعة من قلبي. أشكرك على إستدراك الأمر، فلو لم تمسكها لخرجت مسرعة، ولكنت بحثت عنها في كل زاوية. فهاهيَ تبكي لأن المطر لم ينتظرها حتى تنهض
– قد قضيتُ عنها روح المرح قبل قليل، وما زال الجو لطيفًا في الخارج، والأطفال في مرحٍ وفرح هناك، بإمكانها الأستمتاع
– حسنًا، الآن سنشهدُ ذاك. هيا يا ورد لِنعمُرَ سطح هذه السفينة لهوًا ولعِبًا
غادرتْ هيَ و ورد، وبقيت واقفًا مكاني، أسترجعُ كلماتي؛ لماذا قلتُ أني قضيتُ عن تلك الطفله روح المرح؟ نظرت إلى نفسي: مبللٌ تمامًا، شعري مبعثر، وأحمل حذائي بيدي، لم يكن عليّ أن أشرح شيئًا فمظهري كان كافيًا
لا بأس… لعلّي لن أراها مرة أخرى
سرت مترنمًا إلى حجرتي، استحميت، وتهندمت، ثم خرجت أسيرُ نحوَ صالةِ الطعام وأشعر أن السفينة في قلبي والبحر والغيث، لا أنا في قلبهم
الصالة شبة فارغة، اغترفت طعامًا، وجلست في ذات الطاوله التي جلست فيها سابقًا، المنظر في الأسفل، بلسمًا للروح، وشفاء للنفس
أنهيت طعامي، وبثقلٍ حملت نفسي وتوجهت لحجرتي، لا أرى سوى وسادتي ولحافي، ارتميت فيهما وغطيت في نومةٍ لا قِبلَ لها
هناء، كم شعرت بهناءٍ غامر..
وأخيرًا وليس آخرًا إلى الجزء الأخير، هناك حيثُ توضّح كل نقطةٍ وفاصلة وضعت في هذه القصة، وحيث يفزّ العقل نشوةً من الدهشة للنهاية المغايرة
نلقاكم بإذن الله.
بقلم: هند منصور.


حزنت على الآنسة كبيرة السن :(
جزء خفيف لطيف ممتع والله
اوهه مسرع وصلنا الأخير 🥹