أحـلام البحر ٢
صخبٌ حيّ… كأن الأرواح قد اغتسلت بماء البحر وعادت لأصحابها تتلألأ ناصعة
بعد أن جاور أدم سامي على طاولةِ الأُنس والصمت، وحين وجّه سامي خنجر الإضطراب إلى سكون آدم مخترقًا إيّاه بسؤاله؛ ماذا عنِ الوداع؟
..
وجّهت لهُ نظرةً ثقيلة تصحبها نصفُ ابتسامة، ثم صرفتُ بصري نحو البحر، وقلت:
– يحدثُ شرخًا في نفسي كلّما شهدتُه
– أولسنا نودّع يا آدم لأن أسمى ما نختم به اللحظات قبلةٌ، أو عناق، أو ربما نظرةٌ وكلمة،أولسنا نودّع لأننا نريد نقطةً تدلّنا على النهاية لنلتقي بعدها في سطرٍ آخر، أو ربما لن نلتقي، فيكون الوداع مؤشرًا لإنتهاء القصة في أنفسنا وفي الآخر، أولسنا نودّع أحبابًا لنشكرهم على ما منحونا إيّاه من ودٍّ وقبول، ومتعةٍ وسرور، ونودّع أمواتًا عالمين أن ما لنا إلا تلك النظرة الأخيرة نوجّهها نحوهم، نحتفظ فيها بتقاسيم وجوههم، وخطوط إبتسامتهم، ووداعة ملامحهم الذابلة؟
أولسنا نودّع أصدقاء، وعلاقات، وغرباء حتى، ليكون الوداع عدمَ جحودٍ لضحكةٍ تشاركناها، ولفكرةٍ تناولناها، وحتى لمشاجرةٍ ودّية خضناها
أليس سموًّا ورفعة، وبادرةً بشرية تثبت أننا نحب ونألف، لذلك كما نرحّب نودّع؟
قلت بعدما تأمّلتُه هينة بنظرةٍ حادّه:
– أتربط الوداع بالحب يا سامي، أتشكّك في الحب عند غياب الوداع؟ أيعني حينما أتوارى من تلك اللحظة أني لم أكن مخلصًا في الحب كفاية، ولم تُوشم كل ذكرى معهم وشمًا في صدري، أتقول إني حينما لا أودّع حبيبًا للفؤاد مات، أني لن أتذكر تقاسيم وجهه، وضحكته، وصوته، وخطوطًا كثيرة تعلوه، وندبةً في الجبين، وعينًا بها وشمة، وأنفًا أعوج، وذقنًا أبيض، أيعني ذلك جحودي لكل زهرةٍ توردت في العمر من لقياهم؟
حاشا وكلا
أحببتُ حتى تألمتُ أضعافًا لفراقهم، تجذّروا فيّ حتى إذا حان الفراق، رأيتهم يبتعدون فأخور، أستشعر لمساتهم فأقشعرّ لوداعتها الأخيرة، وأتمعّن في أعينهم، فتتراءى لي دمعةٌ يعزّ عليّ شهودها. أينبغي أن نودّع لندرك اللحظات ونثبت الحب حقًا؟
قال لي صديقٌ ذات مرة:
“لماذا يجب أن تكون آخر ذكرى نتذكر بها أحبابنا هي أشدها ألمًا؟ فعند الموت مثلًا… يكون هناك وداع يُدمي الفؤاد، نبكي فيهِ بحرقة لوداعهم؟”
قلت له آخذًا حديثه إلى جانب قناعاتي: أما أنا فأفضل أن تبقى لحظات البهجة، والضحك، والنكات، والود الغامر في فسحة، دون أن نحشرها مع نظرة الألم الأخيرة..
أدركت حين انتهيت، أني موجهًا كامل جسدي نحو سامي، وقد ارتفعت نبرة صوتي
ضحكتُ لأستدرك تهجّمي، وأردفت مبتسمًا:
– أعتذر يا سامي، لا بد أني اندفعت بشكلٍ مبالغ.
أجاب بسماحتة:
– لا بأس يا آدم، على العكس، كان ذلك منطقك الصادق، وجانبًا من طريقتك الحيّة في الحديث
– تسرني رؤيتك لحديثي كما حقيقته
– ما زلتُ أقلب نقاطك يا آدم.. كم تتجلّى فيها العاطفة
– أتجدها حقًا عاطفية؟
– هي كذلك.. تأخذ جلّ التفكير وتجتذبه نحوك، لم تصرفه لأولئك الذين يتلهفون دومًا للقياك ولوداعك، ولا لذلك الغائب للأبد، الذي يشعر بمن يودّعه لآخر مرة، ويستودعه الله، ويدعو له بروحٍ لا تودّع لأنها ستتذكر رؤياه تلك فقط، عوضًا عن عمر الهناء معه؛ بل لأنه حقٌّ يُقضى تجاه النهايات، نحن لا نمحو بالوداع شيئًا يا آدم، بل نجعل به نهايةً خالصة، ليس الوداع أسًى في داخله، بل شعورٌ أمجد، لا يُقدِم عليه إلا من كان مقدامًا؛ كما يفكر بنفسه، يفكر بالآخرين الأحبّة
تكلّم سامي بنبرةٍ واحدة، برتابةٍ بالغة، كأنه يقرأ من كتاب، نظرهُ موجّه نحوي، لا يتلفّت، ظهره مستقيم، ووجهه مازال وديعًا تعلوه إبتسامة متواريه، يتكلم بحدّه بمزيجٍ من الجد
جاءت إجابتهُ كلطمة من الحقيقة، نظرت إليه مشدوهًا في إدراكٍ قاسٍ.. طالما آثرت التفكير بنفسي على الآخرين، حفظت من نزغات الحزن مشاعري، وتجنبت ما يجعلني أشعر ببعضها، حميتها حتى ما عدت أفكر بأبعد منها؛ فإذ بسامي يصفعني بكلماتٍ منهُ جائت على طبقٍ من حقيقة لم أدركها قطّ
تكلمتُ صارفًا نظري:
- حقًا كنتُ كذلك، لم أصرف تفكيري لكل من أراد وداعًا، ولا لكل عزيزٍ أراد أن يقول كلمة أو يُظهر إمتنان
عم الصمت بسكونٍ من جديد، شارفت الساعه على ١٢:٠٠ ظهرًا. كلٌ منا قد أنهى كأسه، وقد غُمرنا بالألفة من كل جانب. أفكر في خضم اللحظة بهدوء سامي، شخصٌ أويقن أنه لم يعرف معنى الضجيج يومًا. رتيبٌ في كلامه، منطوقٌ لسانه، قيّمٌ فكره. لم أعد أرغب في معرفة شخصه، بات يكفيني منه إغداقُ أفكاره
لم أعلم يومًا أن للصمت صوتُ عزفٍ موسيقي هانئ إلا معه، وأنه حين يكون بجوار روحٍ مطمأنه يضفي المعنى ويؤنس، ويتخلل الإحساس بهجةً ومسرّه
يجلس بجانبي، وكأنه فيّ، أكاد أجزم أنه يقرأني، حتى وأنا صامت.حاشا لله ماهذا بشرًا إن هذا إلا ملَكٌ كريم، ليس الصمت بيننا صمتًا، بل حديثُ نفوسٍ هادئ
قطع حبل أفكاري صوته الرتيب:
– أستأذنك يا آدم، ما زال عليّ إنهاء بعض الأعمال، أشكرك لقبولك دعوتي، وأمتنّ لك.كما توقعتك وجدتك؛ في داخلك فوضى يتوسطها وعيٌ صارخ، تحمل في عقلك ضجيجًا متلاطمًا يتأرجح بين قوام المنطق ونسيم العاطفة، سعيدٌ بمجالستك، أنيسٌ هو مجلسك، صادقٌ أنت في قولك، هنيئًا لمن سينال شرف صحبتك… أودعك خيرًا
نعم، كما أجزمت، حقًا كان يقرأني، كان نافذًا إلى داخلي. تهتُ في كلماته، وتلقيتها بكل حاسّة.كان شيءٌ في داخلي يهمس: أنه أول وآخر جليسٍ أُجالسةُ يتقن قراءة الروح، قرأتُ في كل حرفٍ ودّع به هذا المعنى
أدركتُ أني لبثتُ هنيهة من الوقت، فأردفت على إستئذانه قائلًا:
– بل أنا من نال مجد لقياك، وحظي بأفكارك. تبدو كشيخٍ هذّبت السنين وعيه، لا شابًا في زهو العمر. كذلك أودعك يا سامي
رأيته يبتعد مبتسمًا، يسير متروّيًا، كأن الأرض فُرشت لخطاه حريرًا، يتمهّل بنعيمٍ عليه. نهضتُ واقفًا بدوري، وما زلت أستشعر مداعبة الأمواج للسفينة، تأرجحها يمنةً ويسرة برتابةٍ وادعة. الشمس قد انتصفت، وصفَت السماء، وخلا المكان من الناس، وعمّ الصمت؛ كلٌّ دعته قيلولته فلبّاها مجيبًا
صعدتُ إلى حجرتي، وبدأ صداعٌ خفيف يتسلل إلى رأسي، علمت أن قيلولتي تناديني أيضًا… فخضعت لمرادها
إستيقظتُ على رنين الهاتف… أمي.
– مرحبًا أمي
– أهلًا، كيف حالك؟ يا بني، منذ الأمس لم تعد إلى المنزل، لمَ لا تطمئنني عليك، هل أنت بخير؟
– بخيرٍ وسرور، أعتذر إن أقلقتك. أنا بخير… لدي رحلة تستغرق ثلاثة أيام، وما إن أصل سأهاتفك وأطمئنك
– حسنًا، انتبه لنفسك..
– إلى اللقاء… وأعتذر مجددًا
أنهيتُ المكالمة، ونظرتُ إلى النافذة… فإذا بالمغيب يتجلّى أمامي صافيًا لا تشوبه شائبة. جمالٌ لم يسبق لي رؤيته قطّ. نهضتُ وفتحتُ النافذة مبتسمًا في ذهول؛ غدت الشمس نقطةً صفراء فاتحة، يحيط بها الأحمر كهالةٍ ناظرة، وقد امتزج البرتقالي بها حتى ملأ نصف السماء. الطيور تصاحبنا مسيرًا باسطةً أجنحتها
سبحانك ربي ما أعظمك، أحسنت كل شيءٍ خلْقة. هدوءٌ لا يجرؤ أحدٌ على قطعه. سحبتُ كرسيًا، وجلست خلف النافذة، أتأمل في هناءٍ، كمن فُتحت له نافذة النعيم
ما لبثت حتى اكتست السماء سوادًا، وأضيئت أنوار السفينة، وعاد الأطفال للعب، والضحكات تعلو من الأسفل، والأحاديث تتداخل ببعضها، لا يصلني منها سوى ضجيجٌ مموّه
غادرتُ حجرتي في نشوة، وما إن بلغتُ سطح السفينة حتى غُمرت سرورًا وبهجة
الجميع تعانقهُ المسرّه؛ مبتسمون، وضاحكون، ومتحدثون بلهفة، أسير ببطء، جامعًا كل حدثٍ وحديثٍ بهيجٍ حولي، صخبٌ حيّ… كأن الأرواح قد اغتسلت بماء البحر وعادت لأصحابها تتلألأ ناصعة. وأصبحت أسير مارًا بأرجاء السفينة بلا وجهة، بلا فكرة… خفيفًا أجمع أوراق السعادة من كل ابتسامة، حتى وصلتُ إلى مقدّمة السفينة. هنا جمعٌ من الناس حافين حول شيءٍ ما، شاخصين أبصارهم إليه، مغمورين في لحظتهم، فسِرت إلى أن إنتصفت جمعهم لأرى ما يشخصون فيه أبصارهم:
موسيقى صاخبة، وعروضًا بهلوانية على مسرحٍ مرتفع قليلًا، فيه أناس يرتدون ملابس فاقعة وواسعة، يشعلون نارًا يتراقصون بها في أيديهم، في حينٍ يمسكون حلقةً دائرية ويتداخلون فيها، وفي الآخر يقفزون بحبال طائرين ثم يحطون مرةً أخرى على المسرح، يصفّقون لهم الناس ويصرخون
يا إلهي… صخبٌ مدوّ
وفي أوساط الفوضى والضجيج وبينما ألوذُ فارًا من جمعهم؛ إصطدم كتفي بقفى قوامٍ قد إقتطف من أوراق الورد نعومته، فتاةٌ تتدلى على ظهرها خصلاتٌ بلون البن تتلألأ تحت الأضواء. توقفت لأعتذر، وربما لأنظر
واقفًا قد سكن كل شيء واعلنت كل خلية في داخلي عدم تلقى أي ضجيجٍ حتى تلتفتْ ، وانتظرت..
حيث يُقبل يومًا آخر يلتقي فيهِ آدم بمن يُصدم بلقياه، ويقضي لحظات الأحلام مترنمًا
إلى الجزء الآخر هناك
نلقاكم بإذن الله.
بقلم: هند منصور.




استطاع سامي أن يُعيد صياغة مفهوم الوداع في مخيلتي جاعلاً إياي أُبحر في أمواج أفكاره التي لا شاطئ لها
ماشاءالله عليكِ هند فقد سكبتِ في السرد عذوبةً واجابات على تساؤلات بداخلي ؛ وها انا اترقب بلهفة ما ستؤول إليه حكاية
آدم وأيُ أثر خالدٍ سيتركه خلفه
رد سامي للوداع ترك دموعي تنساب بلا حولٍ منّي ، حديثهم معًا ممتع جدًا ومَن خلف هذا الحديث الممتع؟ قلم هند بسم الله عليك
أتشوّق للقادم والشخصية الجديدة بكل حُب وحماس 🤍