أحـلام البحر (٥ والأخير)
حُلم… لا بدّ أنه حُلم، هذه الرحلة عمرٌ بأكمله
بعد نهارٍ ممطرٍ مُنعّم، يقبل آخر يوم في هذه الرحلة
..
نهضتُ وقد اكتفيتُ نومًا، وامتلأتُ نشاطًا، وكأنني نِمتُ في جِنانٍ ونهضتُ في نعيم
نظرتُ إلى الساعة؛ إنها الثالثة فجرًا، أنمتُ كل هذا الوقت؟ كيف وأنا أشعر أني لبثتُ ساعةً أو بعض ساعة!
ارتديتُ حذائي ورداءً مناسبًا، وخرجتُ إلى سطح السفينة وقد غُمرت راحةً لا مثيل لها، فإذا بالمكان خالٍ، والهدوء يعم الأرجاء، والنسيم يهبّ ودودًا متلطفًا، والسفينة تتمايل ببطء ورتابة
وبينما أنا بخطواتي المتمهله أزحفُ سائرًا، وأتنقل إلى كل مكانٍ وزاوية، لمحتُ في مؤخرة السفينة شخصًا يقف، تتطايرُ منه خُصلاتٌ حريرية، كأن الهواء قد أُغرمَ بخفتها ونعومتها، فأخذ يعانقها بين جزيئاته، وأرى من هنا ذلك الفكر قد جال بحار الأرض متأملًا. فتاةٌ يتراءى لي مكيدُ الحياةِ عليها
ولما أن اقتربتُ منها متفحصًا ما يكمن خلف هذا الفكِر؛ ضحكتُ متعجبًا! إني أصادفها للمرة الثالثة! هنا وفي هذا الوقت
توجهتُ إليها بعزمٍ وتردد، بإقدامٍ وتراجع، بتلهفٍ وخوف… حتى توقفتُ على بُعد قدمين منها، وقلتُ بهدوءٍ يليق بأنوثة قوامها:
– مرحبًا.. صباحك موّشىً بالبشرِ واليُسر، يبدو أن ورد قد فاتها نسيم هذا الفجر العليل أيضًا
ما إن سمعتني، حتى بأناملها سارعت تمسح دمع عينها، وتواري انكسار نفسها. أشحتُ بنظري لأدعها تعتقد أني لم أفطن لضيقها
وقالت بعد هنيهة:
– صاحب خلع الأكتافِ إذًا
– بعينه
– ورد، قد أضناها اللعب، وما إن أقبل العشاء حتى حظيت بنومٍ هانئ، صدقًا، هذا الفجر لا يُفوّت؛ حيث يقف المرء هنا أمامَ ظُلماتِ البحر، وتحت ليلٍ قد أدبر فيه القمر وأقبل ضياء النجوم يتباهى بتلألأه وحيدًا في فسحة السماء، أمام الناظر ليسحر نفسه جمالًا، لا يقوى المرء على النوم دون أن يخترق هذه اللحظة و يتوسطها حضورًا
– كذلك كنتُ منذ بداية رحلتنا، لا أملّ ولا أكلّ من الشخوصِ إلى هذا المرأى. ألوذ إلى هذا السطح ليلًا ونهارًا، صبحًا وعشيًا؛ أسير، وأتوقف، وأتأمل، وأبصر، وأتفكر، وأخوض حوارات، وأستمع لعقولٍ وأفكار. إنها رحلة العمر… كما قالت لي عجوزٌ بالأمس
– عجوزٌ هنا؟
– نعم. كانت هذه غرابتي أيضًا حين رأيتها تصعد إلى السفينة قبل أن نبحر
– غريب… رغم أني وورد جُلنا ذهابًا وإيابًا كل ركنٍ في هذه السفينة منذ إبحارنا، ولم أرَ عجوزًا قط
– بل إننا تحدثنا أيضًا، وجلسنا ثلاث ساعاتٍ لم نشعر خلالها بالوقت. وهناك سامي كذلك؛ تحدثنا صباح يوم الإبحار، وكان حوارًا خاثر. شخصٌ ألفته سريعًا، رآني مرأى العقلِ للعقل، كان وكأنه يقرأ داخلي لا يستمع لحديثي. ثم افترقنا على أمل اللقاء، ولكن كأن البحر من تحتنا ابتلعه؛ حجرته فارغة، يقول عامل النظافة أنها لم تُقطن. وربما حدث الشيء ذاته مع تلك العجوز، وكأن حديثي يبتلع محاوري، فيتلاشى فور مغادرته جِواري
– ولمَ تُصر على اللُقيا بعد اللقاء؟ لعل مبتغاهم ألا يكون بعد الحديث حديث، ولا بعد الانفتاح انفتاح، ولا بعد الحوار حوار… دعهم، ودع نفسك، لتنعموا بلقاءٍ للذكرى عابر
– وهذا ما سأفعله، ولكنه صار فضولًا أين ذهبوا وابتُلِعوا
– في مكانٍ لن تراهم منه. وجدوا لتراهم مرة، لا أكثر
– تتكلمين وكأنك مجزمة
– ربما أنا كذلك
– عجبًا إذًا فأنا معجبٌ بجزمك
في الحقيقة أرى كلامها منفوخ، يحمل أرطانًا من الغرور والفلسفة، فاغتظتُ وهممتُ بالرحيل. وبينما كنتُ على وشك أن أدير ظهري قالت – وهي شاخصة نحو الظلمة – مما جعلني أقف منصتًا بكل سكون:
– قبل بضعِ سنين كانت لي صديقة، لم أعرف معنى الأم إلا من خلالها؛ أول من غمرني من صميمِ النفس حبًا ومعنى، وأول من شعرتُ معه بحقيقة التفهم والإحتواء… وأول من رسّخ في داخلي معنى أن يكون لدى أحدٍ عائلة، وأصدقاء، وأحبة، ودُنيا حيّة، وحياةً مبهجة، في صديقٍ واحد. أحببتها كعهدٍ وميثاقٍ غليظ عليّ ألا أنقضه ولا أفقده
ولم أنقضه كلا، بل إن ربي كما ذرأها في هذه الأرض، أعاد أمانته إليه. تاركةً طفلةً في المهد، رضيعة، وضعتها في أمانتي، مع وصيةٍ بعثتها عبر بريدٍ باهت، تفوح منه رائحة الموت. كتبت فيها بحبرٍ يتمدّد، كأنه يعيش سكرات النهاية قبلها:
“بسم الله الرحمن الرحيم…
حين يشعر المرء أنه على شفا حفرةٍ من الموت، يُلقى فيه شعور الحياة متعرّيًا من كل مغرٍ. تموت بسكونٍ وطمأنينة رغبته في الأمل، في التخطيط، في التطلّع للأهداف، في السعي وراء الأحلام، على نحوٍ مريح. كأنّه يقف في برج مراقبةٍ عالٍ، يطلّ من السماء، فيرى الدنيا صغيرةً جدًا، وما تزال تصغر وتصغر، حتى يتمدّد منتظرًا انطباقها. أقول لكِ هذا؛ لأني الآن في أعلى ذلك البرج، وفي غور هذه اللحظة، أشعر بالموت يدور حولي، يقف على كل حائط، لا يحوّل عينيه عن مجلسي. ليس سيئًا يا حبيبة الفؤاد، إنه يتلطّف بي، ويجعلني قبل جثومه عليّ أكتب لكِ هذا البريد. وأقول لمن يعزّ عليّ فراقه قبل أن يعزّ عليه فراقي: نلتقي تحت رحمة الرحمن في نعيمٍ لا ينفد، وقرة عينٍ لا تنقطع. نلتقي بشوقٍ يا حبيبتي، في دار البقاء، آمنين مطمئنين. وأترك بين يديكِ أمانةً، تحت كنف الحافظ وكنفك إبنتي ورد. أوصيكِ بها، هبيها من حنانك الممتد، ووهجك المتقد، وسيل عطائك المنصب.
وإلى ملتقى ونحن متكئون على فُرُشٍ بطائنها من إستبرق، بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”
وقفتُ مشدوهًا، منتصبًا بجمود، شاخص البصر إليها. وما زادني غرابة هي تلك الورقة التي أخرجتها من دائرة عقدها، وبدأت تقرؤها
صمتتْ ثم طوتها وأعادتها حيث كانت، وأخذت تمسح دموعها بأطراف أناملها برقةٍ وهدوء. صامتًا كُنت بدوري، لا أستطيع لمسها، ولا عناقها، ولا حتى الاقتراب منها. ما لي سوى نظراتٍ إليها أرسل منها فيض عناقي
أردفتْ بابتسامةٍ ذابلة:
– إذًا… فهذه هي ورد. وأنا أيضًا لا أعلم لماذا أفضيتُ إليك بهذا القول، ربما شعرتُ أنك أقرب من جسد، وأخفّ من ورقة خريفٍ تحطّ على الأكتاف. امتلأتُ كتمانًا حتى فاض اندفاعي في أول حديثٍ هتفتُ به لك عن أولئك الذين صادفتهم، فما رأيتهم بعد لقياهم
– لا بأس… لاحظتُ تلك الحدة، وكدتُ أن أغادر إثرها. لكن ما إن واصلتِ حديثك، حتى لمستُ فيك رقة الروح، وقوة النفس، ووفاء العهد، وصدق القول. لا أملك لكِ كلمات عزاء، ولم أملك يومًا إحداها. ليقينًا أُدركه أنها لا تكف نزف جرح، ولا تسدّ مكان شرخ، ولا تصل من أي طريق إلى قلب فاقد، يحمل خسارةً بين يديه وفؤاده فادحة. لذلك، لن أقول شيئًا الآن، مالي فقط إلا نظرات الدفء منّي أوجهها إليك، هكذا أرسلتُ لكِ أحرّ تعازيّ. فطوبى لفتاةٍ تنعم تحت كنفك، تقتات نعيمًا من عطائك
– إن كلماتي تنفّست حين وصلت إليك. شكرًا… لم يكن وقوفك بجانبي كيانًا، بل شكلٌ من أشكال الإحتواء. علمتُ منذ صادفتك بالأمس مبللًا أنك وابلٌ يهطل إنسانيةً وعطف. أثقلتك بالكلام، أعتذر وأستأذنك، ربما ستنهض ورد في أي لحظة
– على العكس، بل سررتُ كل السرور. هل لي بتواصلٍ معكِ أنتِ على الأقل قبل مغادرتك؟
– أيعقل أنك لم تعرفني حقًا؟!
– أعرفك؟
– نعم، حقّ المعرفة
– أتمازحينني؟
– عجبًا إن كنت تظن ذلك!
– من أين إذًا؟ لا أفهم ما ترمين إليه. و بالمناسبة أدعى آدم
– أعرف ذلك
قالت ما قالت ثم غادرت، وتركتني حيث أنا، أفكر من هذه؟ ومن أولئك؟ انتابني بينما بدأتُ ربطًا للأحداث ألمٌ في رأسي حاد مفاجئ، فأغمضت عيني وأمسكت برأسي. ولم أكفّ بل واصلت التفكير
لم يلتفت إليّ أحدٌ منهم حين مغادرتهم، بل إلتفتوا مغادرين من حيثُ ظهروا من العدم، كلُ واحدٍ منهم ألقى في داخلي شيئًا، كأن الله وضعه بين أيديهم أمانةً ليسلموها لي
لم يقل أحدٌ منهم “إلى اللقاء” سوى أمي، التي حادثتها عبر الهاتف. كأنها وحدها توقن بلقائنا. بل قالوا “وداعًا” جازمين بحدّه أنّ هناك لن يكون لقاء البته
يشتد رأسي ألمًا، وتتداخل أفكاري، ويجتاحني دوار، وتتكاثر أسئلتي
حتى بزغت الشمس شارقة. وما إن أدركت بداية ظهورها، حتى هدأت و تنفست، واستشعرت تسلل نسيمها إلى جسدي
من هذه لتعبث بأفكاري، ما الذي أصابني؟ ربما كانت تختلق أعذارًا لكيلا تناولني رقم هاتفها، يا لها من محتالة، كيف سمحتُ لها أن تعصف بي؟
سحبتُ كرسيًا، وجلستُ ساكنًا أمام الإشراق. متأملًا كل تجليات ألوانه في السماء، وحين استقرّت الشمس ظاهرة، وأضاءت كل زاويةٍ في المكان وفي النفس، وبدأ دبيب الحياة في أرجاء السفينة يعلو
نهضت ورغم خفة كل شيءٍ حولي، إلا أني أحمل ثقلًا في رأسي. لعلّه من طول جلوسي أمام سطوع الشمس
وبسكونٍ يغمرني، ويُقعِد كل فكرةٍ تحاول النهوض في رأسي، سرتُ نحو صالة الطعام. ويصدف أن تلك الطاولة ذاتها منذ بداية الرحلة فارغة
كأنها كُتبت لي. بل وكأنها اختيرت من مشهدٍ محبوكٍ بإتقان أن يكون مقعدي حتى نغادر، لأنعم أو ربما لأتمعن
جلستُ فيها، وكعادتي أرسلتُ بصري نحو كل من في الأسفل أراقبهم، وأعدّ خطواتهم، وأقرأ أحاديثهم من تحركات أيديهم. يا لها من متعة، ويا له من مرأى يُسلّيني
ما إن أنهيتُ إفطاري، حتى نهضتُ عائدًا إلى حجرتي. رأسي ما يزال يرسل إشاراتٍ مسنّنة من الألم تمدّدتُ حين وصلت إليها، وأغمضتُ عينيّ بإرهاقٍ أفكّر:
حُلم… لا بدّ أنه حُلم، هذه الرحلة عمرٌ بأكمله، وكأنها وهم لا أستوعب ماهيته
بعد سويعاتٍ من الآن سنصل، وتنقضي إنطواءً هذه الرحلة في سجلّ التجارب والأحلام، ما زلت أريد المكوث أكثر، وما زلت جائعًا للقعود، ما زالت كفايتي لم تُؤخذ، ورغبتي لم تشبع
ومازلت أفكر هكذا حتى دقّ طارقٌ في رأسي يذكرني بإدراكِ اللحظات الأخيرة في هذا الرحله، فنهضتُ بحماسة، جازمًا قضاء هذا الوقت كما ينبغي
فتحتُ النافذة، وما لبثت أن دخلت أصوات الموج تتوسط لحظتي، وتوزع ضوء الشمس متمددًا هنا وهناك، وأتى نسيمٌ يذكّرني بالهناء، وأقبل يعلو ضجيج الأطفال حتى مُلأتُ أُنسًا ومسرّه
أخرجتُ كتابي، وبدأتُ أقرأ، وأرتشف من كأسٍ يشاركني مسرّاتي الصغيرة، انكببتُ عليه أقرأ وأقرأ، وأدوّن ملاحظاتي وأنا سعيدٌ سعيد. قد ملكتُ الدنيا، وفي خضم ذلك أرفع بصري؛ مرةً إلى السماء، ومرةً إلى البحر ثم أعود إلى كِتابي
وحين مضى ما مضى من الوقت، وقد امتلأتُ أملًا بالعودة إلى هنا مجددًا، ولم يبقَ لحزن الفراق مجلسًا ولا متكأ في نفسي، فُتحت مكبرات الصوت في كل مكان:
“أعزائي الركاب، طاب صباحكم…نود التنبيه أنه تبقّى على الوصول نصف ساعة، نرجو من الجميع حزم الأمتعة والتوجّه إلى الجانب الأيمن من السفينة…وشكرًا لكم.”
آه… ما أقساها من لحظة، كيف لمكانٍ أن يكون فراقه أشدّ على الروح من فراق روح؟
بدأتُ بحزم أمتعتي التي لا تذكر، وأغلقتُ النافذة، ونظرتُ حولي بهدوء كأنني لآخر مرة أنقش صورته الأبديه في ذاكرتي. ثم توجهتُ إلى حيث طُلب منا
لم يكن الجمع قد اكتمل بعد، فأخذتُ أجول بنظري؛ أراقب وأبصر إقبال المسافرين، وأتأمل الحقائب القادمة من كل صوبٍ بألوانها، وأحجامها، وأشكالها. وما هي إلا لحظات حتى تكدّس المكان وتكدّس…ثم تكدّس. فصرتُ أبحث بينهم لعلي أجد سامي، أو العجوز، أو تلك الفتاة التي تركتني أتخبّط في حيرتي. أتنقّل بنظري في كل مكان باحثًا.. ويزداد تكدس المسافرين، وتختلط الحقائب، وتعلو الأصوات
وفجأة عاد الألم حادًا قاتل في رأسي كما في فجر اليوم. أمسكتُ رأسي بقوة
حدته تزداد ثم تزداد، والضجيج يعلو ثم يعلو
أشعر بدوار، ولوهلة الناس أمامي يبدأون بالتلاشي، أغمض عيني، ثم أعود لأفتحها، يعودون… ثم يتلاشون من جديد
الألم يشتد، أكاد أصرخ، أكاد أخور متمددًا
أبكي، أنظر للناس مجددًا كأنهم صورة وهم لا واقع، خيالٌ لا حقيقة
تبدأ أصواتهم بالإختفاء، ويبدأ كل شيء حولي بالتلاشي
أصرخ ألمًا: رأسي!… سأموت… رأسي !”
لا أحد يلتفت، لا أحد يقترب. ولا أحد يجيب
أخور ساقطًا أرضًا، يدور كل شيء…ثم…اختفى كل شيء، وأنا
أصوات أجهزة، سرير أبيض، غرفةٌ مظلمة إلا من ضوءٍ خافتٍ يعلو رأس مريضٍ ممدّد لا أحد حوله
هناك على السرير.. شيخٌ هرِمٌ طاعنٌ في السن، غزا الشيب رأسه، وتجعّد جلده حتى غدا كورق الشجر. يستلقي في هزاله، قد ضعف وصغر جسده حتى أصبح كطفلٍ في العاشرة من عمره. الأجهزة في كل مكان ملتصقةٌ به، نائم منذ شهور؛ في غيبوبةٍ سلبته الحياة والموت معًا. فهو هناك…يعيش بينهما
هناك،حيث عاش آدم كل الأحلام، وحيث نسجت له كل الأماني، وظهر له مارد العقل يحقق رغبات العمر في حياةٍ من الداخل عبر الخيال
عاد فيها آدم شابًا، حيًّا في الفكر، بليغًا في الكلام، متقنًا للحوار، ليعيش حلم الإبحار حلم مرأى الغروب فيه والإشراق، حلم المطر في عرضِه، والتقافز كغزالٍ في روضةٍ في دنيا غيرَ دنياهُ التي عاشها، وحلم مرأى الأمواج وزبدها، والنوم ثم النوم بين تمايلاتها، ودنوّها وعلوّها
فلم يكن نومه المتكرر هناك، الا إنعاشاتٌ طبيّه في الواقع، ليعيد إكمال أمانيّة وأحلامه
كما عاش أيضًا حلم رغبة الحديث، والإلحاح بالفهم، ففيها فُسّرت له أحداثًا، وشُرحت له أجزاءً من الحياة ما كان له وهو فيها أن يدركها..
أخبره سامي بحقيقة الوداع وأنه ما كان ليكون وَجع، بل فعلٌ ودود. كما حاوره من الروح، ليلتمس آلامه بأنامل رحيمةً متلطفه
وحدثته العجوز التي ما كانت تسرد إلا حياة آدم البائسه، فأخبرته معزيةً عن الكِبر، وعن الأحلام حين تتحقق في أرذل العمر، وعن الفقد حين يكون لزامًا، وعن الأحباب والأبناء عندما يرحلون طواعيةً ونكمل العيش كرهًا ولكن دون لومٍ وعتب
وصارحته الفتاة؛ التي هي أمه في الواقع.. أن ورد، الفتيّه لم تكن أخته يومًا، بل إبنة صديقتها الراحلة، إستطاع من ذلك أن يفهم قبل الرحيل، حبّ والدته الفريد لورد وتفضيلها المبالغ لها
لذلك ماكان ليُغرم بها قطّ على سطح تلك السفينة
حاك له مارد العقل الأحلام والمواعظ التي تسلوا النفس قبل الرحيل، وتسكن الروح قبل خروج الروح، وتعزي النفس قبل أن يُعزى عليها
من أحلام العقل.. عاش آدم قبل الرحيل، قبل الموت
فكان ألم الرأس ذاك، وانقطاع النفس، والدوار، وتلاشي الناس وتلاشيه من اللحظة؛ ألم نهاية الحلم
ألم نهاية الحياة، والموت
فالوقتُ لم يكن وقتًا على تلك السفينة، بل شريطُ حياةٍ لم تُعاش
إنتهت
بقلم الممتنة لكم والمحبة دومًا: هند منصور.


تأثرت وحزنت كتير كويس ما تعلقت كتير بالشخصيات . فخمة القصة استمري!
ليه قرأتها متأخر :( ؟
ممتعة وآسرة ووالله ما يكفيك المدح
خيال مبهر ومصطلحات عذبة
أتمنى المزيد آنسة هند المهرة 🤍