أحـلام البحر ٣
حسبتُني في حُلم، أو في ضربٍ من الخيال؛ حسبتني في جنّة الأماني، وفي سماء الأحلام
بعد أنِ اصطدم وهو لاذًا بالخروج بقفى فتاةٍ يُرى الحُسن فيها وهي لم تلتفت بعد.
..
وانتظرتُ عساها تلتفت، ولكن لا بدّ أنها لم تشعر… فأقفيتُ بدوري مولّيًا، وسرتُ حتى وصلتُ إلى حيث أجدني
سكونٌ وأصواتُ موجٍ، وضحكاتٌ هادئة، وأحاديثُ وادعة، وعائلاتٌ هانئة، إلى صوت الطبيعة
استقررتُ واقفًا قبال البحر، أنظر إلى الموج؛ فإذا به ساكن، لا يُبدي سوى زبدٍ خفيفٍ من أثر حركة السفينة عليه. تأمّلتُ هذا الهدوء، حتى سمعتُ صوتًا منّي… نعم، إنها معدتي. لا بدّ أنها تشكو جوعًا شديدًا، وقلّةَ إمداداتٍ قاسية؛ حقٌّ عليها أن تنتحب من الداخل
هممتُ مكرهًا بالدخول إلى صالة الطعام، فإذا بأصنافٍ من كلّ ما تشتهيه الأنفس وتلذّ به الأعين، تناولتُ صحنًا، وأخذتُ أغرف فيه من كلّ ما يجذب ذائقة معدتي، ثم سارعتُ بالجلوس إلى طاولةٍ قرب نافذةٍ تطلّ على مقدّمة السفينة، حيث الصخب والموسيقى والألعاب
لم أرغب في مواجهة هذا المنظر، ولكنني لن أنهض محالًا ولو شُنّت حربٌ دامية أمامي؛ سأنقضّ على هذا الصحن وأغادر
تناولتُه بشراهة، وأنهيتُه حتى لم يبقَ فيه إلا أن يوضع في درج الأواني النظيفة، انهالت عليّ بعد تلك الوجبة تخمةٌ عجيبة، فأخذتُ أراقب المنظر الذي كرهتُ الجلوس أمامه
حقًا، كيف يحتمل الناس هذه الأصوات، إنّه لضيقٌ مطبق أن يلبث المرء فيها بضع دقائق، عجبًا لأمرهم… ألا تؤلمهم رؤوسهم.
في خضمّ حديث عقلي المُتخَم، لمحتُ بين جمع الناس في الأسفل أنثى بقوامٍ ممشوق، وشعرٍ بنيٍّ لامعٍ يتوسّط ظهرها، تسير ممسكةً ببالوناتٍ ورديّةٍ وصفراء بيد، وبالأخرى طفلةٌ تتقافز حولها
إنها هي! أحقًا هي؟
حسنًا، وإن كانت هيَ فمن يُبالي
نهضتُ متثاقلًا، أشعر بكسلٍ فظيع، اتجهتُ إلى حجرتي. كانت النافذة ما تزال مفتوحة؛ أسرتني تلك الفسحة، لطالما كنتُ مولعًا بالنوافذ الكبيرة
جلستُ على ذات الكرسي الذي وضعته قبال شمس المغيب، واستخرجتُ كتابًا من حقيبتي، وهممتُ بالقراءة… حتى داعب النوم أجفاني، فرحّبتُ به وارتميتُ على السرير جاثمًا كعصفورٍ وليدٍ حطّ على عُشّه الدافئ متمددًا تحت جناح أمّه
نهضتُ، فإذا بالشمس ترسل خيوط إشراقها نحوي، صافيةً تلوّح من الأفق حيّة. أشعر بنشاطٍ عارم، كأنّي استغرقتُ في نومي ثلاثةَ أيامٍ بلياليها، وكأنّ ذلك الطير الذي نام عشيًّا قد استيقظ صباحًا عازمًا بهِمّةٍ على ألا يُبقي غصنًا، ولا سهلًا، ولا واديًا إلا وفرد جناحيه عليها
تبادر إلى ذهني سامي، عجيب! لم ألمحه مساء الأمس
عزمتُ على أن أنهض وأستعد لهذا اليوم، ثم أطرق باب حجرته، علّي أنعم بلقياه وحديثه
وحين أنهيتُ ما عليّ، اتجهتُ إلى حيث خرج لي في المرّة السابقة، فطرقتُ الباب ثلاثًا… ثم انتظرتُ هُنيهةً، وعدتُ أطرق ثلاثًا
لا مجيب
هدوء… وحتى الأضواء لا تنفذ خارجًا من تحت الباب، كأنّ هذه الحجرة لم تُسكن قط. في خضمّ تعجّبي، مرّ بي عاملُ تنظيف الغرف، فاستوقفته سائلًا:
– عذرًا، هل صادف أن رأيتَ صباحًا الشابّ الذي يسكن هذه الحجرة خارجًا منها؟
– هذه الحجرة؟ لا أحد هنا، إنّها مُغلقة
ألقى إليّ جوابه ومضى، لم ينتظر لأتبع سؤالي بسؤال آخر، بقيت واقفًا في مكاني بعد مغادرته، أحاول استجماع ما قاله للتوّ
تركتُ جوابه، كما أمام حجرة سامي الفارغة، ثم توجّهتُ إلى السطح. لابد أنه غيّر حجرته لطارئٍ ما، علّي إذًا أصادفه هناك، أو حيث كنّا نجلس بالأمس
الساعة الآن تمام التاسعة صباحًا؛ المكان خالٍ إلا من أمٍّ معها طفلتان، وعددٍ من عمّال النظافة يجلسون على جوانب السطح. الشمس تنفث حرارتها مع سطوع ضوئها، ورطوبةٌ عارمة تثقل الهواء
سرتُ حتى حاذيتُ جانب السفينة، فاطّلعت، فإذا بالبحر لامعٌ، يعكس ضوء الشمس ويتلألأ تحتها، منظرٌ فاتن
سرحتُ طويلًا في هذا المرأى، وجال فكري وتمدّد، وأبحر في ربوع ذكراه وذاكرته، حتى مضى من الوقت ما مضى. حسبتُني في حلم، أو في ضربٍ من الخيال؛ حسبتني في جنّة الأماني، وفي سماء الأحلام، وفي أودية النعيم أقفز وأترنّم. حسبتُني على سطح حلمٍ هانئ، لا على سطح سفينة
وبينما أنا كذلك، قطع سِرب أفكاري صوتُ طرقِ عصًا يقترب من خلفي ببطء. التفتُّ، فإذا بجسدٍ نحيل، وقوامٍ هزيل يقترب نحوي
عجوزٌ بلغت من العمر عتيًّا، قد وهن العظم منها واشتعل رأسها شيبًا، تسير مطأطئة، بخطواتٍ مثقلة
شخصتُ إليها ناظرًا، أتساءل: أتقصدني؟ حار فكري، أأبادر بالترحيب أم أصمت حتى تتحدث
اقتربتْ، موجّهةً نظرها إلى مواضع خطى عصاها
قالت بصوتٍ مرتجف، قد ثخن وثقل وتحشرج:
– مرحبًا… شعرتُ بوجود أحدٍ هنا، أأنت شابّ أم فتاة؟
لُجمتُ، وارتبكت، وكادت كلماتي تخرج متقطّعة، لا يُفهم منها سوى لخبطة أفكاري، إنها تلك العجوز التي أبصرتها صباح الأمس تصعد السفينة وحيدةً بحقيبةٍ بنّية مهترئة… أكانت إذًا عمياء! عيناها مبيّضتان، لا تفتح أجفانها كاملًا، تنظر إلى اللاشيء
ربطتُ جأشي، واستجمعت كلماتي، ثم أجبت:
– بل شابٌّ جائعٌ لمرأى البحر، يقف متأمّلًا إيّاه، شاردًا في مداه… مرحبًا بكِ، هل تحتاجين إلى مساعدة؟ أنا في خدمتك
– لا يا ولدي، لست أبتغي مساعدة، وليس لي حاجة؛ إنما وددت الحديث. فمنذ الأمس وأنا أسير في غيابات هذه السفينة، والتطم بضجيجها، فلا أجد وحيدًا أحادثه، ولا أنيسًا أسامره. فأنا لا أنام ليلًا إلا ساعةً من آخره، ولا صباحًا إلا بعضًا من أوله. فحين يبلغ المرء من العمر مبلغًا، يعود طفلًا؛ سويعاتٌ من النوم تكفيه. فهل أجد عندك متّسعًا من الوقت والمكان؟
– بالطبع، فداكِ المكان والزمان، ويا سعدي بجليسٍ مثلكِ
سارعتُ بجلب مقعدين من إحدى الطاولات، ووضعتهما إلى جانب بعضهما، ثم أخذتُ بيدها الهزيلة وأجلستها، وكأنها طفلٌ يُسيّر أينما سُير في صمت
بدأتُ الحديث بلهفة، كمن يقابل إرث الزمان أمامه:
– للموج صوتٌ ليس صاخبًا ولا هادئ، كترنيمةٍ تأتي في الضجيج لتسكنه وفي الهدوء لتكسِره
– طالما تمنّيت رؤية ما خلف هذا الصوت… أهو الموج؟ أبه تتأرجح السفينة كما تفعل الآن؟
صمتُّ مشدوهًا لوهلة! أما تعرف الموج، وصوته، وأنّ بهِ تعلو السفينةَ وتدنو؟
أجبتُها كمن يجيبُ على سؤالٍ مألوف بنبرةٍ رتيبه، لكيلا أشعرها بجهلِ ما تجهله :
– نعم، إنه الموج. إذ يصدر صوته نتيجة تصادمه ببعضه أو إصطدامِ السفينة به، ويظهر في ذلك لونٌ أبيض يُسمّى زبدًا. من يتأمّله ينطلق لسانه تهليلًا و تسبيحًا؛ إن البحر لجنّةٌ أخّاذة، تلين به النفس وتسلو
– لو رُدّ إليّ بصري، لوددت – من بين كثير – رؤية البحر، والظل. ليس سخطًا – حاشا – ولا جزعًا، ولكن النفس تتمنّى
أن أبصر البحر ومداه وسعته؛ هذا المخلوق الذي شقّه الله لموسى، فانفلق حتى صار كالطود العظيم. إن الخيال ليعجز عن تصوّر تلك المعجزة… فوددت لو أبصره، علّي من رؤياي له أتصور وأتفكر
وأمّا الظلّ… كم سَألتُ وكم أُجبت،ولم يسعفني فكري، ولم تقنع نفسي، ولم يتضح له خيالي، ولم يطلع عليهِ طرف تصوري
كيف يُرى ولا يُلمس؟! يصاحب كل امرئٍ حتى يمسي؛ تارةً يمتد عن يمينه، وتارةً عن شماله، وحينًا يسبقه أمامه، وحينًا يتبعه خلفه. فسبحان خالقٍ قدير، ربٌ بديعٌ في خلقه، فللإنسان ظلّ، وللمخلوقات أجمع ظل، وللجماد ظل، وللجبال، وللسماء!
فبه شبّه الله جلّ في علاهُ الجنة تضادًا بالنار، فقال: (ولا الظل ولا الحرور)
وقال تعالى بوصفه في العذاب: (وظلٍ من يحموم)
وقال سبحانه بضربه مثلًا لنا في الدنيا: (ألم ترَ إلى ربك كيف مدّ الظل)
دليلًا على أنه آية… فسبحان من خلق وذرأ وبرأ. لو حسدتُ أحدًا على بصره، لحسدت من أبصر البحر والظل
– لما تجرّأتُ أن أصفهما لكِ، ولو هممتِ بسؤالي، إنّي أرى في قولكِ أمًّا عظيمة، فيها دفءٌ ورحمة، و زوجة قيمةٌ مستقيمة، لها وافرٌ من العلم والمعرفة
خيّم بيننا صمتٌ مربك… تساءلتُ إثره أسمعتْ ما قلت؟
لبثنا نحو دقيقة، ثم قالت برهافةٍ وهدوء:
– جُزيتَ بقولك ضعف الأجر يا ولدي… لكني أستنكر هذا الوصف في داخلي، وأستغربه. بل وأفضل أن أستبعده، إنه لقولٌ يفوق أوصافي، وأوصافٌ تعلو طباعي. نلتَ بكلماتك أجرها – بإذن الله – لكنك لم تنل تصديقي لها، ولا إسعادي
وأنا بتفكيري الساذج، ظننت أن كلماتي ستجاورها إلتذاذًا تتكئ في مقعدها
أردفتْ وقد ازدادت رجفة يدها على تلك العصا بجانبها حتى أصبحت تهتزّ بوضوح..
حيث يكتمل حِوارٌ يقبل فردانيةً على آدم من كل جانب، وحيث يقضى لحظةً من لحظات الأماني المحلقة
في الجزء الآخر هناك
نلقاكم بإذن الله.
بقلم: هند منصور.


سامي اختفى ولا هو من خيال آدم ؟
كنت متشوقه لحديثه مع الفتاة
يمه سامي وين اختفى
متشوقة ومتلهفة للقادم 👏🏻